ما الذي يمكن أن تنجزه مصر ما بعد الثورة؟ | مجلة مصر الحديثة ما الذي يمكن أن تنجزه مصر ما بعد الثورة؟ - مجلة مصر الحديثة

0

أخيراً، انتفض الشعب المصري بعد سنوات طويلة من الاستبداد. وقد اصطف الجيش المصري إلى جانب الشعب، وعرف كيف يستعمل صلته بحسني مبارك حتى يتجنب سيناريو التحرر الوطني الثوري بمنطق المواجهات: لا حرب أهلية دامية، ولا تقسيم للبلاد. لكن مصر تدخل، بعد انطلاقتها الشعبية الأولى، في مرحلة من عدم الاستقرار، والتي تطبعها حالة من الشك وعدم اليقين.

من السابق لأوانه القول بما إذا كانت المرحلة الديمقراطية الانتقالية سوف تصل إلى مبتغاها، لكن نداء الحرية يبقى مع ذلك يظل نداء لا رجعة فيه. وثمة تحديان اثنان على الأقل لا بد من رفعهما: أولهما إعادة تنظيم الدولة؛ وثانيهما إعطاء مصر دورها الريادي التقليدي، بوصفها "منارة" في العالم العربي. وتبقى العملية السياسية عملية طموحة بكل تأكيد: فهناك تعديل الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة. لكن الآجال المحددة لتحقيق كل ذلك هي آجال قصيرة! ولا شك في أن تقاليد الدولة المصرية تشكل ورقة قوية، وكذلك مكانة الجيش في المجتمع المصري. لكن، ما تزال هناك في الدوائر القريبة من النظام القديم، كوابح عديدة ما فتئت تقف لتعرقل عملية التحرر السريعة: هناك رجال الأعمال، والعساكر أصحاب النفوذ، ورواد الحزب الوطني الديمقراطي، ممن يستمرون في تغليب منطق المصالح الشخصية التي لا يمكن تقليصها إلا باللجوء إلى إجراءات قوية. وهذه الإجراءات ضرورية جدا لإعادة تشغيل دواليب الاقتصاد، بالاعتماد على عقد اجتماعي جديد، من دون كسر جهاز القرار السياسي. ولا بد أيضا من إيجاد توازن بين التطلعات الشعبية المشروعة، والحقائق الاقتصادية القائمة. ومع أن الطريق سالك، إلا أنه ضيق مع ذلك. فعلى المدى الطويل، لا مفر من أن يعيد النظام الجديد النظر في العلاقات بين السلطة السياسية والإطار الديني. وما يزال دور تأثير الإخوان المسلمين، على المستويين السياسي والديني على السواء، أمراً غير معروف إلى حد كبير.

لكن الأمر مرتبط أيضا بالسياسة الخارجية التي ينبغي أن تعيد الحكومة الجديدة التفكير فيها. فمصر، وهي الدولة "المفتاح" في العالم العربي، بحكم تاريخها السياسي والديني، وبحكم موقعها الجغرافي وتأثيرها الثقافي، تشرع الآن في عملية تحديث وتجديد. ولعلها ترغب في إعادة تحديد علاقاتها السياسية والاقتصادية مع شركائها التقليديين، ولكن من دون إهمال ثقل ضغوطها الديموغرافية والاقتصادية البنيوية. ولعلها ترغب في أن تعيد استثمار المناخ الاستراتيجي الشرق أوسطي، حتى تحافظ على مركزها الأساسي. فماذا ستكون العواقب بالنسبة للاعبين الإقليميين الفاعلين؟ إن دولة حديثة وشرعية كبيرة (لا فاصل يفصل فيها بين السلطة القائمة و"الشارع المصري")، ستكون قادرة على أن تضم تطلعات الشعوب العربية، وتحقق حلم أمة عربية كبيرة قادرة، بصورة متوازنة، على إعادة استثمار الفضاء السياسي والدبلوماسي والديني معا. وتطرح هذه الدولة نفسها باعتبارها قطيعة مع أولئك الذين يفضلون الحفاظ على شرق أوسط مقسم وضعيف، من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية وتأثيرهم فيه.

قبل كل شيء، هناك إيران بطبيعة الحال. وقد ظلت الخلافات التاريخية بين إيران ومصر، خلافات ثقيلة، وتشمل المجالات كافة. ولذلك، فإن عودة التأثير المصري ستشكل بالنسبة لإيران خبرا مشؤوما، لا سيما وأن النظام الإيراني نفسه يواجه معارضة قوية في الداخل. ومن هنا، فإن التفكير ينصب أوّلا على المسألة الدينية، إذ إن إسلاما معتدلا يمكن أن يتصدى للهجمة الراديكالية الشيعية الإيرانية. ولكن، وفيما وراء ذلك، فإنه إذا لم تكن هناك مصلحة للمصريين إلا في خلق شرق أوسط مستقر، فإن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها عن طريق زعزعة الاستقرار. وهي تغذي الانقسامات (في لبنان على الخصوص)، وتدعم الحركات المسلحة. وإذا كانت هذه الحركات موجهة جميعها نحو إسرائيل، فإنها تعرض للخطر قدرة الدول العربية على تسوية المسألة الفلسطينية، أو بشكل أعم مسألة مكانة إسرائيل في المنطقة. وسيكون بإمكان مصر أن تحل منطق التفاوض في مكان منطق المواجهة، هذا الذي تكرسه إيران، لو عرفت كيف تربط القضية العربية بتسوية سلمية للصراع. وبصورة أشمل، نقول إن عودة مصر سوف تتيح لها أن تفكر في تسوية مشاكل الشرق الأوسط من زاوية "العروبة"، وليس من زاوية قوة خارجية راديكالية تغذيها اعتبارات إيديولوجية.

ثم هناك العربية السعودية. وهي لاعب مهم جديد يأتي ليطالب بحصته في السوق لأنه يصطاد في أراضي الإسلام السني. فإذا عرفت مصر كيف تحل المسألة الدينية، فإنها ستتمكن من أن تشكل بديلا ذا مصداقية عن الإسلام الوهابي بالنسبة للبلدان العربية التي غيرت نظامها الحاكم، أو التي سوف تغيره لاحقا. وعند انتهاء حقبة الاستعمار، كانت أمام الدول العربية الجديدة بالفعل ميزة الاختيار بين العديد من البنى السياسية: وقد أبعدهم الانفصال عن القوى الاستعمارية القديمة عن النظام الليبرالي، ولم تعش القومية العربية (فيما عدا في سورية والعراق) إلا إلى حين ذهاب جمال عبد الناصر، ولم يبق سوى النموذج السعودي. وباسم الإسلام، وباستعمالها ثرواتها الهائلة، فضلت العربية السعودية نموذجها السياسي، الوراثي. وهذا الصرح تحديدا هو الذي تقوضه اليوم الثورة المصرية، وثورة تونس التي سبقتها.

ثم هناك سورية، التي تجسد، مع العربية السعودية، نظاما سياسيا عاش طويلا. وبحكم قيامهما على الحكم الفردي، والتداول العائلي للسلطة، فإنهما تسيران ضد مجرى التاريخ. ولكم سيكون من الصعب على بشار الأسد أن يتقاسم هذه الخصوصية مع العربية السعودية! ومرة أخرى، تجد سورية نفسها عند مفترق طرق، إذ بات من الصعب عليها أن تواصل المسير في خطها السياسي التقليدي، وهو أن لا تتوجه نحو خيارات استراتيجية. فهل تختار الوضع الراهن، من أجل الحفاظ على النظام، أم أنها ستقترب من مصر؟

وأخيرا ثمة تركيا. وهي دولة يشكل نموجها الاجتماعي بديلاً مغرياً للسلطات العربية الجديدة. وهي بلا شك مصدر إلهام وليس تقليداً. فهل ستسعى مصر إلى استيراد هذا النموذج، أم أنها ستعارضه؟ إن الخيار الذي ستقرره مصر في النهاية هو الذي سيحدد العلاقات بين الدولتين الإقليميتين، وسيحدد مدى التأثير التركي في العالم العربي.

إذا كانت الثورة المصرية تشكل بلا أي شك زلزالا في العالم العربي، فإنها لا ينبغي أن تؤدي بالضرورة إلى الإضرار بأمن إسرائيل. ويمكن أن تشكل هذه الثورة فرصة ثمينة قابلة لأن تُستثمر في تحقيق تصورات جديدة في الشرق الأوسط. فعلى الفور، ورغم ردة الفعل الأمنية الإسرائيلية، التي يحكمها منطق السياسة الداخلية أكثر مما يحكمها خوف حقيقي، أكدت مصر احترام التزاماتها الدولية، وقالت إنه لا تراجع عن اتفاقية السلام مع إسرائيل. فاللعبة تتغير إذن، وتستعيد علاقات القوى توازنها. وسوف تكون مصر بعد الثورة أكثر مصداقية في المفاوضات، لأنها تكون قد أعادت النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يسمح لها بالتحدث باسم الشرعية الشعبية الواسعة، وهو ما سيتيح لها فرصة ممارسة تأثير قوي في العالم العربي كافة. وإذا كان لها هذا، فما هي التغيرات المتوقعة؟ ربما سيحدث تقدّم في عملية المصالحة الفلسطينية. فقد كانت مصر في السابق وسيطا ملتزما جدا في نظر حماس. ويمكن أن تشكل مصر الجديدة نقطة ارتكاز قوية من أجل مفاوضات إسرائيلية عربية متجددة.

ولا بد في هذا السياق من الحديث أيضا عن موضوع إعادة تشكيل الاتحاد من أجل المتوسط، بوصفه أمراً محتوماً. فتحت أي شكل من الأشكال، لا بد من الشروع في تحقيق التكامل المتوسطي الإقليمي. وسيتطلب هذا التكامل أوّلا إيجاد تسوية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي لا يُنكر أحد مركزيته، والذي ما يزال يسمّم العلاقات بين البلدان الأوروبية والبلدان العربية. وتستطيع أوروبا أن تستند في هذا الشأن إلى مصر الجديدة ما بعد الثورة، لتحقيق التكامل المنشود.

إرسال تعليق

 
Top