المصريون في حيرة إزاء الاستفتاء على التعديلات الدستورية | مجلة مصر الحديثة المصريون في حيرة إزاء الاستفتاء على التعديلات الدستورية - مجلة مصر الحديثة

0
المصريون في حيرة إزاء الاستفتاء على التعديلات الدستورية
التعديلات الدستورية
وسط حالة من التردد بين "نعم" و "لا" ودعوات بالمقاطعة أو التأجيل، يتوجه نحو 45 مليون مصري يوم السبت لصناديق الاقتراع للتصويت لأول مرة في تاريخ مصر على حزمة من التعديلات الدستورية، في خطوة وصفها مراقبون بأولى نسائم الحرية والديمقراطية التي حملتها ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضي. الاستفتاء على التعديلات الدستورية، الذي دعا إليه المجلس العسكري في مصر، أثار خلال الأيام الماضية حالة من الانقسام الشديد في أوساط المصريين لا يغفلها أي متابع للشأن المصري، فالبعض يؤيد بشدة التعديلات ويدعو إلى التصويت إيجابا لصالحها، مؤكدا أنها الخطوة الأساسية لأي بناء ديمقراطي حقيقي وتخوفا من أن تمتد فترة الفراغ الدستوري بعد إعلان المجلس العسكري إلغاء دستور عام 1971 الذي كان معمولا به حتى سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك. أما البعض الآخر فيرفض هذه التعديلات ويطالب بدستور جديد للبلاد، وليس "ترقيعا" ـ بحسب وصفهم ـ للدستور القديم، حيث يدعو قسم منهم للتصويت ضد هذه التعديلات، فيما يطالب آخرون بالتريث في طرح الاستفتاء خوفا من قفز بعض التيارات السياسية على أهداف الثورة والاستفادة من الرغبة في الإسراع بالعملية الديمقراطية، بينما يدعو القسم الثالث إلى مقاطعة الاستفتاء، وسط تحذيرات من أن المقاطعة أو الرفض سيدخل مصر في فراغ تشريعي لن يملأه سوى الجيش وحكم العسكر .

وتخفف التعديلات الدستورية المقترحة، التي أنجزتها لجنة قانونية برئاسة المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق، من القيود المفروضة على الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، كما تحدد مدة بقائه بولايتين متاليتين فقط مدة كل منهما أربع سنوات، كما أعادت الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية .

وتخول التعديلات أيضا لمجلس الشعب المقبل اختيار لجنة لوضع دستور جديد خلال ستة أشهر من انتخابه، كما تلغي التعديلات المقترحة المادة (139) التي كانت تتيح للرئيس إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري . المؤيدون للتعديلات التي طرحتها اللجنة، وأبرزهم جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي، يقرون بأنها غير كافية لتلبية مطالب الثورة، غير أنهم يبررون موقفهم بأن البلاد تمر بمرحلة حرجة تتطلب الخروج من "عنق الزجاجة" من خلال تلك التعديلات للخروج من الحالة الانتقالية الى حالة الاستقرار .

وفي هذا الصدد، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين تأييدها للتعديلات.. وقالت في بيان لها، إن "مصر تحتاج لدوران عجلة العمل من جديد والحيلولة دون امتداد الحكم العسكري لفترة طويلة"، معتبرة أن وضع دستور يلبي رغبات جميع الأحزاب السياسية سيستغرق وقتا طويلا، وأن تعديل الدستور هو السبيل الوحيد للمضي قدما. أما التيار السلفي، الذي اشتهر بمقاطعته السياسة والتوجه نحو الدعوة، فقد فاجئ الجميع بإصدار بيان مؤخرا دعا فيه المصريين إلى المشاركة والتصويت بالموافقة على التعديلات الدستورية المطروحة. جماعة الدعوة السلفية، قالت في بيانها، إن "التعديلات المقترحة أبقت على المادة الثانية من الدستور (التي تنص على أن الإسلام هو المصدر الأول للتشريع) ، وحدت من صلاحيات رئيس الدولة ووضعت ضمانات جيدة لنزاهة الانتخابات، مبررة مشاركتها السياسية الأولى بأنها "تأتي في إطار إعمال قواعد الشرع التي تدعو لتحصيل المصالح وتقليل المفاسد قدر الإمكان".

في المقابل أعلنت شخصيات سياسية بارزة وقوى عديدة رفضها للتعديلات المقترحة، مطالبة بدستور جديد للبلاد. فقد أعلن عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية والمرشح المحتمل للرئاسة، أنه سيصوت ضد حزمة التعديلات الدستورية، مطالبا بدستور جديد يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية، ومؤكدا أن الدستور الذي أجريت عليه التعديلات تم تجاوزه .

أما محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي أعلن عزمه الترشح لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة، فدعا إلى صياغة دستور جديد، مقترحا فترة انتقالية لمدة عامين يسلم فيها الجيش السلطة لمجلس رئاسي يشرف على وضع دستور جديد وإجراء الانتخابات. بينما وصف "ائتلاف شباب الثورة" ـ الذي تشكل من رحم ثورة25 يناير ـ التعديلات بأنها مجرد "ترقيع دستوري"، محذرا خصوصا مما طرحته التعديلات بإجراء انتخابات تشريعية في غضون شهرين، معتبرا أن ذلك يعني عودة هيمنة رجال الحزب الوطني الذي كان حاكما في عهد مبارك، وحركة الإخوان المسلمين على مجلس الشعب الجديد. كما أعلنت حركة "6 أبريل" التي كانت إحدى أبرز الحركات الشبابية المحرضة على الثورة والداعمة لها، أنها ستشارك في الاستفتاء مع الاحتفاظ بحقها في التصويت ب "لا".

وأرجع بيان للحركة موقفها الرافض للتعديلات المقترحة، إلى أن التعديلات "ستعيد الحياة إلى دستور 1971 المعيب الذي أسقطت شرعيته ثورة 25 يناير، فضلا عن أنه بشكله الحالي والذى لم تمتد إليه يد التعديلات خاصة فيما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية أو البرلمان أو السلطة القضائية ومسألة محاسبة الرئيس وتهميش القضاء وعدم استقلاله استقلالا كاملا، لا يصلح لتحقيق تداول السلطة". كما أعلن حزبا (الوفد) الليبرالي و (التجمع) اليساري رفضهما للتعديلات الدستورية وكذلك العديد من الأحزاب الأخرى تحت التأسيس .

وفي وجه آخر لرفض التعديلات، دعا نشطاء إلكترونيون عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" إلى تظاهرة مليونية للتعبير عن مقاطعتهم للاستفتاء والضغط لصياغة دستور جديد، وهي الدعوة التي قابلها المجلس العسكري بصرامة من خلال تحذيره من "أي اعتصامات أو تظاهرات في يوم الاستفتاء من شأنها تعطيله أو إعاقة الناس من الذهاب إلى لجان الاقتراع".

وفي محاولة لوقف حالة الرفض البادية للتعديلات، حذر المستشار محمد أحمد عطية رئيس اللجنة القضائية العليا للإشراف على تعديلات الدستور من أنه فى حال إجماع الشعب على رفض التعديلات ستعانى البلاد من"فراغ تشريعى" لن يملأه سوى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وإلى جانب حالة السجال السياسي بشأن التعديلات الدستورية، كانت ساحة القضاء هي الأخرى في جانب آخر من المشهد الديمقراطي الأول في مصر بعد الثورة، حيث نظرت محكمة القضاء الإداري في نحو 13 دعوى لوقف إجراء الاستفتاء على التعديلات المقترحة. فقد أصدرت المحكمة قبل ثلاثة أيام من الاستفتاء حكما بعدم اختصاص مجلس الدولة بنظر الدعاوى القضائية المقامة.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، إن قرار الدعوة لإجراء الاستفتاء الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، يعد عملا من أعمال السيادة التي تخرج عن ولاية قضاء مجلس الدولة، مشيرة إلى أنه لا يجوز الطعن عليه بأي صورة من صور التقاضي . المستشار طارق البشري، دافع عن التعديلات الدستورية التي أقرتها اللجنة التي ترأسها، مؤكدا أنها بمثابة دستور لمرحلة مؤقتة لإدارة انتخابات رئاسة الجمهورية وقوانين انتخاب الرئيس ومجلسي الشعب والشورى تحت رقابة القضاء .

ورفض البشري ما ردده البعض بأن لجنته "فصلت" شروط الترشيح للرئاسة لإقصاء أسماء معينة، خصوصا شرط عدم ازدواج الجنسية، مشيرا إلى أن قانون السلك الدبلوماسي والعسكري يمنع زواج أي عضو بالسلك الدبلوماسي من أجنبية، "والأولى أن يتم ذلك بالنسبة لرئيس الجمهورية".

في المقابل، شن الفقيه الدستوري المعروف الدكتور إبراهيم درويش هجوما حادا على التعديلات المقترحة، مشددا على أن دستور 1971سقط بقيام الثورة وأصبحت هناك حاجة لوضع دستور جديد وليس التعديل عليه. وفسر رأيه بأن دستور1971 معيب لأنه يركز السلطات جميعها في يد الرئيس ويمنع محاسبته أو مساءلته ، كما أنه ينص على نسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين في تمثيل مجلس الشعب، وهذا فيه إهدار لمبدأ المساواة بين المواطنين، منبها أيضا إلى أن الدستور الحالي ليس به أي نص يعطي رئيس الدولة حق التنحي أو التخلي عن سلطاته. حالة الجدل الصاخب التي تشهدها مصر بعد الثورة تثير قلق البعض من الانزلاق نحو الفوضى السياسية والمجتمعية، لكنها ـ في رأي آخرين ـ إرهاصات أولى نحو حياة ديمقراطية سليمة لا تخلو من خلافات صحية.

إرسال تعليق

 
Top